التمويل الجماعي التمويل الجماعي

حلول مبتكرة في ظل ندرة فرص التمويل للشركات الناشئة والصغيرة

حنان بن خلوق، شريك مؤسس ومدير”الريادة المستدامة”، متخصصة في تطوير المهارات القيادية النسائية

رغم تكاثف الجهود منذ سنوات لتذليل الصعوبات  أمام أصحاب الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ورغم الازدهار الكبير الذي عرفه قطاع الريادة والمؤسسات الصغيرة الذي أصبح يشكل محط اهتمام العديد من المبادرات الحكومية نظرا لأهميته في مسيرة التنمية الاقتصادية  في المنطقة وخلق فرص العمل، لازالت قلة فرص التمويل تتصدر قائمة التحديات التي يواجهها رواد الأعمال في المنطقة، في حين يتجاوز عدد المؤسسات الصغيرة  من 90% من أصل المؤسسات التجارية المسجلة في الكثير من الدول العربية، لا زالت قيمة القروض الممنوحة لهذه الفئة من الشركات هزيلة ولا تتعدى 3% في بعض دول الخليج العربي .

وتؤكد أبحاث عالمية نفس النتائج، فحسب تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)  لا زال معدل رفض قبول إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة عاليا في المنطقة ويقدر أنه  لا زال يتم رفض  أكثر  من 50% من طلبات الشركات للحصول على قرض أو تمويل من المصارف والمؤسسات المالية.

رائدات أعمال يواجههن عقبات تمويل لتنمية مشاريعهن:

 في استبيان أجرته شركة Sustain Leadership  للاستشارات وتطوير المهارات الريادية ضمن  دراسة تقوم بها للتعرف على التحديات  التي تواجهها رائدات الأعمال من أجل تطوير برنامج  يتناسب مع احتياجاتهن ضمن مبادرة لدعم 100 رائدة أعمال بالإمارات العربية المتحدة، التي تطلقها مؤسسة شيري بلير للنساء، أكدت 80% من المشاركات في الدراسة أن المعوق الأول لعدم قدرتهن على توسيع مشاريعهن هو صعوبة الحصول على تمويل من المؤسسات المصرفية والمالية، وأعربت كل المشاركات بدون استثناء أن المورد الأساسي الذي لجأن إليه لإطلاق شركاتهن كان من مدخراتهن أو بمساعدة أفراد أسرهن. أما عن تجربة البعض مع المؤسسات المالية، فقد أعربت 76% من المشاركات أن الشروط المفروضة من المصارف بغاية الصعوبة بل محبطة، كما أن نسب الفوائد على القروض المقدمة للشركات الصغيرة والمتوسطة تفوق في بعض الأحيان 20% مما يصعب الالتزام بسداده ويثقل كاهل أصحاب المشاريع الحديثة والمبتدئة، كما أن غياب قانون الإفلاس التجاري يزيد من تخوف صاحبات الأعمال والشركات الصغيرة من الاقتراض من مصارف لما يمكن أن يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة قد تصل إلى إيقاعهن في السجون حسب تعبير المشاركات.

وفي محادثات مع خبراء ماليين ومسؤولين في مصارف إقليمية متخصصين في قطاع القروض، أقر هؤلاء بأن إقبالهم على إقراض أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يحظى بالاهتمام الذي تتواكب مع أهمية هذا القطاع، وتلخصت مبرراتهم بين عدم قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على تقديم خطط أعمال وخطة مالية متينة الأسس و ضعف أدائها الذي تنقصه الكفاءة المالية وعدم الالتزام بالمعايير المحاسبية الدولية مما يعيق تحديد أهليتها للتمويل. وأضاف البعض أن عدم توفر المعلومات الائتمانية  وبيانات مالية دقيقة للشركات  خاصة مع غياب جهة رسمية  للتصنيف الائتماني يزيد من صعوبة المصارف على الموافقة على طلبات القروض من أصحاب المشاريع الصغيرة. ومع ذلك نلاحظ أن عددا كبيرا من المصارف الوطنية والأجنبية بدأت  في الآونة الأخيرة تتوجه لخدمة هذا القطاع الحيوي وتتنافس في تقديم خدمات مصرفية وعروض مميزة لأصحاب المشاريع في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات.

إجمالا، بين تشدد المصارف في تمويل الشركات الناشئة لتحقيق التوسع والاستمرارية وعزوف رؤوس الأموال المخاطرة والمستثمرين من القطاع الخاص عن تبني أصحاب المشاريع المبتدئين، حيث يفضّلون استثمار ثرواتهم في قطاعات أقل مخاطرة وأكثر ربحية، كان من اللازم إيجاد حلول تمويلية أخرى  لسد هذه الفجوة التي تعتبر من أبرز أسباب فشل ما يقرب من  90% من المشاريع الصغيرة خلال أقل من عامين منذ إطلاقها. 

منصات التمويل الجماعي: نقلة نوعية لتوفير التمويل لأصحاب المشاريع الصغرى:

انطلق مفهوم التمويل الجماعي في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي سنة 2005 بأول منصة تساعد أصحاب المشاريع الصغيرة على إطلاق حملات تمويلية من أجل جمع الموارد المالية اللازمة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع متكاملة.

ويرتكز مبدأ التمويل الجماعي على إسهام المجتمع في الاستثمار في الشركات الصغيرة حيث يطلق رائد الأعمال حملة عبر المنصة  الالكترونية، يقدم فيها فكرته بطريقة مفصلة ومقنعة  عادة ما يرفق تسجيل فيديو تفسيري لفكرته، وآفاق تطويرها وكيفية تخطيطه لاستعمال الموارد المالية التي سيجمعها عبر الحملة في فترة زمنية محددة، من أجل جذب أكبر عدد من المستثمرين  الأفراد للمساهمة بمبالغ صغيرة نسبيا لجمع المبلغ المحدد عند إطلاق الحملة، ومن محاسن التمويل الجماعي أنه لا يقتصر على استقطاب المورد المالي فحسب بل هو فرصة لصاحب المشروع للتعريف بمنتوجه قبل إطلاقه في السوق، ويخوّله الحصول على ملاحظات وأفكار لتحسين المنتج وتطويره قبل الشروع في البيع، كما أن المستثمرين يساهمون في ترويج المنتج ودعم فكرة المشروع.

وتعتبر فكرة التمويل الجماعي جديدة إلى حد ما في العالم العربي، حيث أطلقت أول منصة في 2011، منها من تخصص في دعم أصجاب المشاريع الفنية المبدعة، ومنها من يتميّز بتشجيع الريادة الاجتماعية والمجتمعية، كما توجد منصات ساهمت في إنجاح عدد كبير من مشاريع تجارية متنوعة. وتتنافس هذه المنصات التي غالبا ما تقتطع نسبة تتراوح بين ال5و7% من إجمالي مبلغ التمويل،  بالخدمات الموازية التي تقدمها من إرشاد وتوجيه  واستشارات قانونية ومالية وتسويقية وغيرها.

إيزيل: قصة ريادة نسائية خاضت تجربة التمويل الجماعي بنجاح:

التمويل الجماعي

التمويل الجماعي

إيزيل ككلمة تعني “نقي” بالأمازيغية في المغرب،  ولكنها تعني أكثر من ذلك لمنى العباسي رائدة أعمال مغربية مقيمة بدبي منذ 2005، والمتشبتة بتراثها الأمازيغي المتجدر في جبال الأطلس وجنوب المغرب، حيث تنمو شجرة لوز الأرجان النادرة والتي ذاع صيت زيتها عالميا لخواصه العلاجية والتجميلية حيث بدأت تتهافت شركات التجميل العالمية على هذا “الذهب السائل” كمكوّن أساسي لمنتجاتها المعالجة للبشرة والشعر.

بعد مسيرة مهنية موفقة كمديرة إقليمية في شركات عالمية رائدة في مجال مستحضرات التجميل، وبعد اكتسابها الخبرة  اللازمة في المجال, عزمت منى في أواخر 2012 على أخذ خطوة جريئة بالاستقالة من وظيفتها لخوض تجربة ريادية بإطلاق علامتها التجارية “إيزيل” والتي تقدم منتجات تجميلية متكاملة تجمع بين التقنيات الحديثة وأسرار الجمال الطبيعية المتوارثة عبر أجيال.

تابعت مع  منى تجربتها لإطلاق مشروعها بدبي حيث لقت الدعم من شريكها في المشروع شريكها في الحياة، زوجها الذي قرر أيضا الاستقالة بعد سنة من أطلاق المشروع  من وظيفة ناجحة بشركة عالمية، للتفرغ لمشروعهما العائلي الطموح، وكان موردهما الأساسي في البداية من مالهما الخاص، حيث استصعب الحصول على رؤوس أموال من مستثمرين لحداثة المشروع. بعد تسجيل الشركة، ابتدأت منى في تسويق منتجاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومعارفها الخاصة، إلى أن نضجت فكرة إطلاق نقطة بيع بالتجزئة التي تطلبت موارد إضافية.

التجأت منى للتمويل الجماعي كحل مناسب لفترة التمويل الأساسي أو مايشار إليه بالتمويل البذري (seed funding) اللازم لأول سنتين من بداية المشروع، حيث لم يكن من الممكن الحصول على قرض مصرفي ولم يكن الأمر جذابا لأصحاب رؤوس الأموال المخاطرة الذين يطالبون بأداء مالي متين، لم تستطع شركة “إيزيل” تقديمه حينها.

عن تجربتها مع منصات التمويل الجماعي، تقول منى أنها كانت مسيرة حافلة بالتعلم، من تجهيز عرض للمستثمرين إلى كيفية إصدار شهادات أسهم المساهمين  والالتزامات القانونية المترتبة عنها وغيرها من الإجراءات، كانت مترددة بعض الشيء قبل إطلاق الحملة لأن من شروط منصة التمويل الجماعي التي اختارتها، إذا لم يتم جمع المبلغ المحدد على الأقل في الفترة الزمنية المحددة، تفشل الحملة وتعاد الأموال المستثمرة لأصحابها، مما أضاف بعض الضغوط على مؤسسي المشروع لتكثيف جهودهم من أجل إنجاح الحملة وجذب أكبر عدد من المستثمرين. بالنسبة لمشروع “إيزيل”، تؤكد منى أن المرحلة الاستشارية التي قضتها مع المسؤولين على منصة التمويل الجماعي أكسبتها المزيد من الثقة في نسبة نجاح حملة جمع رأس المال اللازم لتوسيع مشروعها. وقبل انتهاء الفترة المحددة كللت حملة مشروع إيزيل بنجاح  وتمكنت من جمع 104% من المبلغ المحدد على المنصة الإلكترونية للتمويل الجماعي،  وهذا مكّن الشركة من توسيع قنوات توزيع منتجاتها وتطوير عملياتها بشكل أسرع. وقد استفادت الشركة أيضا من الحملة للتعريف بمنتجاتها عبر الموقع الإلكتروني وقنوات التواصل الاجتماعي للمنصة أمام جمهور كبيريمكن تحويله إلى عملاء.

تنصح منى العباسي رواد الأعمال المقدمين على خوض تجربة التمويل الجماعي بالأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية مسبقا:

  • أن تكون لديك رؤية واضحة لمشروعك وأن تكون لديك خطة عمل تفصيلية .
  • أن تعرف مميزات منتجاتك أو خدماتك التنافسية والفريدة
  • دقق جيدا في بياناتك المالية وتأكد أن الخطة المالية دقيقة وتقييم مشروعك منطقي،
  • كن جاهزا لأسئلة المستثمرين وتحديهم لتفاصيل خطتك المالية
  • تأكد أن الداعمين لمشروعك من حولك من أصدقاء ومعارف، لاتجازف بالمخاطرة بالتمويل الجماعي إلا إذا كانت لديك شبكة مهمة الاتصالات.

لا تعليقات حتى الآن.

كن أول شخص يترك تعليقا.

Your email address will not be published. Required fields are marked *