الثورة التقنية ومستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عمان الثورة التقنية ومستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عمان

بقلم شذا المسكري

مدير عام بروتيفيتي العالمية، سلطنة عُمان

يحظى النظام الإيكولوجي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان بالكثير من الاهتمام والتركيز من حكومة سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة؛ ومع ذلك، لم تتجاوز هذه المؤسسات صفة الصغيرة في نواح كثيرة على الرغم من التوجيه والجهود التي  تبذلها الحكومة للتأكد من وصول الرسالة بصوت واضح للسوق العُمانية، على أمل أن يقوم القطاعان العام والخاص، بالمقابل، بإحتضان وتعزيز هذا النظام الإيكولوجي.

السيدة شذا المسكري

السيدة شذا المسكري

تم في السنوات القليلة الماضية إتّخاذ العديد من القرارات وإطلاق قنوات التمويل وإعداد حاضنات متعددة وعرض برامج التطوير المستمر للمؤسسات. هذه عملية تحوّل رئيسية في الثقافة العُمانية. ولكن لو نظرنا للجيل الجديد، فسنلاحظ أن الوقت الراهن هو الأفضل لدفعهم لأخذ زمام المبادرة وتحفيزهم على الريادة وإثراء تجاربهم التي تكفل عملية نمو سليمة ومدروسة.  إن الطاقة التي شهدناها مؤخراً في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الشباب تشير بوضوح إلى أن هذا هو جيل الحقبة الرقمية بإمتياز، بالنظر للطريقة التي إستطاع من خلالها الشباب تسخير التكنولوجيا؛   و من خلال قدرتهم على تحقيق الإنجازات الرائعة  سريعة النمو ّات القدرة على إجتذاب قاعدة كبيرة جداً من المستهلكين المتحمّسين؛ ليس فقط في سلطنة عُمان ولكن حول العالم.

منذ أربع سنوات خلت، لم نتمتع بنصف هذه المعرفة التكنولوجية التي نتمتع بها اليوم.إذ نلاحظ اليوم حرص الأطفال على إحتلال مكانهم في العالم الرقمي، و يقابل ذلك محاولة الأجيال الأخرى في تطوير مهاراتهم في هذا المجال، مما يشير إلى تقلص الهوة الرقمية بين الأجيال المتعاقبة.

عطفاً على ذلك، فإنه حرياً بالمؤسسات أن تعير أهمية أساسية لوجودها الرقمي ويتحتم على هذه المؤسسات إستخدام كافة وسائل التواصل الإجتماعي المتاحة أمامها  للتسويق لأعمالها.

عدد كبير من صديقاتي العمانيات من ربات البيوت بدأن تجارتهن الأولى من خلال الفايسبوك والإنستجرام، وبدأن بتسويق منتجاتهن للصديقات، اللاتي قمن بدورهن بالتسويق بشكل مباشر لتجارة زميلاتهن مما ساعد على سرعة الإنتشار وتوسّع التجارة بشكل ملحوظ وذلك خلال فترة قصيرة. يسعدني أن أراهن اليوم يدرن مؤسسات ناجحة من داخل منازلهن خلال السنوات الثلاث الماضية، من دون الحاجة للتمويلات الخارجية. ولكن ذلك لا يعني التقليل من قيمة الوقت والجهد في التواصل مع العملاء من خلال الإنترنت والذي يتطلب الكثير من الوقت ومعرفة أذواق العملاء بشكل أفضل.

لقد حالف الحظ العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تم إحتضانها وتمويلها بشكل صحيح حتى حققت النجاح المرجو منها. كما نرى تزايداً في أعداد المؤسسات ، ولكنها لا تزال في مرحلة ما قبل النمو، كما شكّل عامل الوقت عائقاً في وجه إستمرار بعضها خصوصاً تلك التي لم تواكب التطورات التقنية وفرص النمو التي وفرتها هذه  التطورات.

من ناحية أخرى، نلاحظ وجود مؤسسات صغيرة ومتوسطة متخصصة في المجالات الهندسية و العلمية تعاني من عامل الوقت الذي يعمل ضدها، إذ يجد أصحابها أنفسهم في دوامة أمور لا يلمّون بها كإدارة الموارد البشرية والإدارة المالية وتقنية المعلومات، وكل هذه عوامل تبعد تركيزهم عن الإبتكار وبالتالي لا تساعدهم على تطوير أعمالهم وعلى وضع الخطط الإستراتيجية المناسبة.

إن الفوائد التي يعود  بهاالعصر التقني على المؤسسات كبيرة جداً، فهنالك العديد من شركات البرمجيات التي تقدم الحلول الرقمية والذكية لهذا القطاع الحيوي والتي تسهّل عملية المكننة  خاصةً في قطاع الخدمات. يضاف إلى ذلك الحوسبة السحابية التي توفر حلولاً  مناسبة،و بتكلفة قليلة و كفاءة عالية مما يجعل تبني هذه الحلول أسهل من أي وقت مضى.  . بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فإن ذلك يساهم في  التقليل التكاليف الإدارية ،  و يزيدمن فرص التوفير،إضافةً إلى ذلك توفر الحوسبة السحابية  وسيلة آمنة لتخزين و   إسترجاع المعلومات خصوصاً مع تزايد الهجمات الإلكترونية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

لا تزال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بحاجة لموجّهين يمكنهم  إطلاعها على ديناميكيات الأسواق، إرشادها على أساليب التعاطي العملية، كيفية إستكشاف المخاطر قبل وقوعها وكيفية وضع و إدارة المخططات البديلة في حالات الطوارئ.

البرامج التدريبية وحدها ليست كافية، فدور الموجهّين يساهم في إرشاد رواد الأعمال   إلى سبل الإبداع وخلق نوعيات مختلفة ومميزة من رواد الأعمال الذين يسعون  إلى التميز و الإبتعاد عن التقليد الذي يتّسم به قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

يضاف إلى ذلك عامل أساسي وهو المفهوم الخاطئ حول عنصر الأمان في الحصول على جزء من أعمال ومشاريع الحكومة. يجب أن يقوم أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالإطّلاع على نظام المناقصات الحكومية أو الشركات الكبرى وبالتالي نظام التقييم المتبع الذي يحدّد على أساسه الفائزين بالمناقصات. إن الإبتعاد عن التقليد والتشبّه بالمؤسسات الأخرى و الإبتعاد عن تقديم خدمات غير مميزة هو السبيل الوحيد لنجاح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

ويتوجب على المؤسسات الصغيرة التركيز بشكل أفضل على خلق حس ريادي يساهم في نجاح هذه المؤسسات ونموها. يجب أن يكون هذا الأمر في متناول يد الجميع نظراً لتوفر التكنولوجيا المتطورة.ولذا يجب على المؤسسات أن تولي تطوير إمكاناتها التقنية نفس الإهتمام الذتوليه لعملية إيجاد المواهب، على الرغم من ندرتها أو عدم توفرها.

لقد وضعت الحكومة العمانية العديد من البرامج التطويرية، وأنا على ثقة من أن الحكومة ستقوم بتوقيع عدد كبير من الشراكات التي تصب في هذا الإطار خصوصاً من ناحية قطاع تكنولوجيا المعلومات والإتصالات.

يجب علينا الاستمرار بنفس هذا الزخم  للسنوات المقبلة والبحث في ندرة المواهب المتخصصة والمؤهلات المطلوبة، وهذه بحد ذاتها مشكلة عالمية، ولكن من الضروريلعب دور أفضل في تمهيد الطريق أمام الجيل القادم و العمل على  خلق الفرص و ضمان إستدامة النمو الإقتصادي من خلال التركيز على تطوير نظام إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وإيجاد النظام الحيوي القادر على إستيعابها وتطويرها.

يجب على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن تعي أهمية أن تكون مستقلة وتثق بقدرتها على النجاح  الذي يتعلق بالإنتظام والرغبة والبحث والقدرة على البناء وحتى الفشل. إن المثابرة والتسويق والإبتكار يساعدون المؤسسات على النمو ضمن مجتمعاتها وبالتالي تحقيق متطلباتها المستقبلية. كما يجب على المؤسسات الإنفتاح أكثر على الشراكة فيما بينها على الصعيد المالي والتقني والتجاري.  فذلك سيساعدها على الإطلاع على نماذج جديدة يمكنها إعتمادها للتقليل من فجوة عدم توفر المهارات اللازمة في السوق العُمانية.

نحن نعيش اليوم في عالم ريادة الأعمال.  المؤسسات الناجحة رأت في العوائق فرصة للإبتكار، لذلك نرى هذا الكم من المؤسسات في قطاعات جديدة ومنها الخدمات المالية، المواصلات والفنادق.

الكلمة السحرية الآن لم تعد تتعلق بكبر حجم الشركات، بل بقدرتها على إتخاذ القرارات بسرعة وشجاعة. والملفت للنظر، إن صغر المؤسسة بات يلعب دوراً رئيسياً. فكلما كانت المؤسسة صغيرة كلما تمتعت بحرية الإكتشاف، التصميم، الفشل، التقرير وبالتالي الإبتكار.

تتمتع المؤسسات الصغيرة بخاصية مميزة إذ يمكنها إطلاق تجارتها إلكترونياً ومباشرة البيع خلال 24 ساعة، وفي حال الفشل، تكون الخسارة بسيطة. هنالك العديد من النساء العمانيات اللاتي أسسن لتجارتهن من المنزل وحققن نجاحات مبهرة تعدت الحدود العمانية، يضاف إلى ذلك العديد من الفتيات اللاتي يتابعن دراساتهن في مجال تقنية المعلومات. ولذلك فإنه من الضروري أن نقوم بتنمية حس ريادة الأعمال منذ البداية ، ليشمل ذلك المدرسة قبل الجامعة، فذلك يضمن التوازن بين الجنسين في النظام الطبيعي للمؤسسات الصغيرة خصوصاً مع حظوظ هذه النساء في المشاركة في الإقتصاد العائلي والوطني.

 هنالك العديد من الفرص في القطاع السياحي، الصحي، الزراعي والصناعي، وهذه قطاعات لم تشهد إقبالاً ملحوظاً قبل ذلك. يجب على المؤسسات التركيز على هذه القطاعات والإستفادة من التقنيات الحديثة الجوالة، خدمات الإنترنت، الخدمات الروبوتية، الإعلام الرقمي، وخاصية التنقل الإلكتروني وغيرها من المحفزات. كل ذلك يساهم في تبوء مراكز ريادية في مختلف القطاعات إذ أن ذلك يساعد على النمو السريع ويقدم المساعدة المطلوبة للمؤسسات .

مما لا شك فيه أن التكنولوجيا ساهمت في إزالة الكثير من الحواجزو العوائق وبات الطريق أمام الأشخاص الذي يتمتعون بالرؤية الصحيحة سهلاً وواضحاً في سبيل تحقيق أهدافهم.  وساهمت التكنولوجيا بتقليص التكاليف المتعلقة بدخول الأسواق المحلية والعالمية، كما  وساهمت تكنولوجيا الهواتف المحمولة بإيجاد قيمة مضافة أكبر لدى المستهلكين الراغبين بالبقاء على إتصال مع العالم في أي وقت .

إن ثورة التكنولوجيا  التي نشهدها  خلال السنوات القليلة الماضية ساهمت  إلى حد كبير بزيادة نسبة الشفافية كما زادت من حظوظ المواهب الجديدة في لعب دور أكبر على الساحة العالمية ليصبح كل فرد رائد أعمال مستقبلي، وهذا ما يعرف بالإقتصاد المشترك.

إن المؤسسات العُمانية قادرة على لعب دور رئيسي في التسويق الثقافي وكسب ثقة المستهلكين من خلال إحتضان المنصات الإلكترونية، و تحسين تجربة العملاء وبالتالي تحفيز النمو الإقتصادي. هذه مفاهيم جديدة، وقد يكون البطل العالمي الجديد أي شخص على الكرة الأرضية.

لا تعليقات حتى الآن.

كن أول شخص يترك تعليقا.

Your email address will not be published. Required fields are marked *