الشغف، الارث الاتقان والحرفية: خناجر محفوظة الفضية من سلطنة عُمان للعالمية الشغف، الارث الاتقان والحرفية: خناجر محفوظة الفضية من سلطنة عُمان للعالمية

في زمن يشهد التحولات السريعة والانتقال من ثورة تقنية إلى أخرى، وابتكارات تغير وجه البشرية، لا يزال يكافح البعض للحفاظ على مهن الأجداد، خصوصاً الحرفية منها، التي تحوّلت من جزء أساسي في حياة الناس إلى مجرد عادات وتقاليد تتوارثها الأجيال حفاظاً على تاريخ آيل للاندثار. محفوظة بنت أحمد البلوشية، احدى النساء المكافحات من ولاية الخابورة في سلطنة عُمان، خاضت غمار مهنة تصنيع الفضيات خصوصاً صناعة الخنجر التراثي التي ورثتها عن ابيها الذي ورثها بدوره عن أبيه. يدان عُمانية تطوّعان الفضة في تصاميم عصرية تحاكي التقاليد وروح التطور. عن البدايات، المصاعب والطموحات، حدثتنا محفوظة بكل فخر عن حرفة ستورثها لابنتها من بعدها.

2 swords copy

  • أخبرينا عن دار الخابورة؟

الموضوع له علاقة بشعار ولاية الخابورة، وهو الخنجر. أنا من صناع ولاية الخابورة. اكتسبت هذه الحرفة من أجدادي ووالدي منذ كان عمري 12 سنة، وأعتقد أنه من واجبي الحفاظ عليها. عمر طويل قضيته في احتراف هذه الصناعة وتطويرها. عملت في وزارة الصحة، استمريت فترة هناك، أعمل صباحاً في الوزارة واعود لأمارس مهنتي في المساء، ولكنني لم أجد نفسي في الوظيفة، فعدت إلى ممارسة عملي الأساسي. ثابرت وحققت المركز الأول في سلطنة عُمان في مسابقة الهيئة العامة للحرفيين من أول عام وتوالت الجوائز والتقديرات والشهادات. واليوم أنا مشاركة في جائزة السلطان قابوس، وأتمنى الفوز.

  • هل يتم التركيز على صناعة الخناجر في دار الخابورة؟

كلا، نصنّع الكثير من الفضيات، لكننا قمنا بتطوير الخنجر التراثي. الأمراة تتمتع بتقنيات مختلفة عن تقنيات الرجال، خصوصاً من ناحية التصاميم والذوق. وأنا أقوم بتطوير العمل وأسعى للابتكار بشكل دائم وتقديم موديلات جديدة كل شهرين أو 5 شهور. فنحن نتميز بطرح الموديلات والتصاميم الجديدة التي تجذب الزبائن

  • اطلقتي مؤسستك دار الخابورة في صناعة يغلب لديها الطابع الذكوري. الم يكن في الأمر مغامرة لمنافسة الرجال في مجالهم؟

الموضوع لا يتعلق بالمنافسة. هذه مهنة اجدادي ووالدي. أحببتها منذ الصغر. كنت أجلس بجوار أبي وأراقبه خلال العمل، ووالدي هو الذي شجعني للقيام بهذا العمل عندما لمس لدي هذا الحب لصناعة الخناجر. وبدأت في ممارسة هذه الحرفة وامتهانها.

  • هل التصنيع يتم يدوياً او يتم استخدام الآلات؟ ومن الذي يساعدك؟

كل التصنيع يدوي، نحن نقوم بالتصنيع. عمل معي أخوّي، لكن احدهم توفاه الله. والآن تعمل أخواتي معي بالاضافة لأولادهن في مجموعة تتكون من 20 شخص تقريباً، عدد النساء منهم 12. جميع العاملين هم من الأهل. لا وجود لأي غريب بيننا. طلبوا مني تدريب بعض الأشخاص من خارج اطار العائلة لكنني رفضت. نحنا نتوارث هذه المهنة ولا أحبذ دخول أي شخص من خارج العائلة. أقوم بتوزيع العمل على أعضاء العائلة كل حسب اختصاصه. حتى أخي، فهو موظف في مؤسسة حكومية، لكنه يعمل معنا في عمل العائلة، ويسافر نيابة عني للمشاركة في المعارض، وشاركنا في فعاليات كثيرة في الجزائر وماليزيا والبرازيل وغيرها.

  • من هم زبائن دار الخابورة؟ وهل لديك فروع للمؤسسة لتلبية الطلبات؟

زبائني من سلطنة عُمان ومن مختلف دول مجلس التعاون الخليجي العربي. شاركت بالعديد من المعارض الاقليمية. لدي فرعين في السلطنة ، وأخطط الآن لانشاء مصنع حيث يمكنني تجميع النساء العاملات وأولاد العائلة تحت سقف انتاجي واحد

  • متى؟ وما الذي ينقصك لاطلاق المصنع؟ وكم من الوقت تحتاجين لاطلاقه في حال توفر التمويل؟

أحتاج للتمويل أولاً. أحتاج لمبلغ كبير. كل فرع كلفني ما يقارب 50 ألف ريال عُماني (500 ألف درهم اماراتي) أما المصنع فيحتاج للكثير من الأموال.

أنا بحاجة ماسة لأرض صناعية. قدمت على منحة الأرض منذ أكثر من خمس سنوات ، لكنني لم أحصل على شيء حتى الآن. حالما تجهز الأرض، لدي الامكانية لتشغيل المصنع خلال أشهر معدودة. لدينا الآن الامكانية لتصنيع عشرات الخناجر، ولكن مع تجهيز المصنع يمكننا تصنيع المئات.

  • هل جربتي التواصل مع المؤسسات الحكومية التي تدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أو مع المصارف؟

جربت مع الجميع لكنني لم احصل على الدعم المطلوب. الدعم يأتي من بعض المؤسسات الحكومية بالديوان السلطاني الذي يقوم بالتواصل معنا لتحضير بعض الهدايا التي يقدمونها لكبار الزوار. أنا محظوظة بالمناقصات التي يطرحها الديوان السلطاني، لكن الربحية من هذه المناقصات قليلة ولا تساعد على اطلاق المعمل. فنحن نرضى بالربح القليل لكننا نقدم أفضل المنتجات.

frame copy

  • ما هي الأسباب التي اعترضت تمويل مؤسستك من قبل المصارف العُمانية؟

لا يوجد أي تبرير واضح حتى الآن. وحاولت أيضاً مع الهئية العامة للحرفيين في عُمان واجريت العديد مع المقابلات معهم، لكن تم تحويلي لمؤسسة أخرى. قابلتهم واتفقنا على كل شيء، لكن المبلغ المطلوب من قبلهم كان كبيراً وفوق استطاعتي. هذه مهنة صناعية، والبيع فيها يعتمد على توفر المنتج . نصنّع فنبيع، لذلك حركة السيولة خفيفة. قد يمر علينا أشهر عدة من دون بيع يذكر. الطلب على الخنجر موسمي. كل ما أطلبه هو أرض صناعية لتأسيس المصنع حيث يمكنيي تجميع العائلة تحت سقف واحد ونكون قادرين على زيادة الانتاجية.

  • هل تواصلتي مع وزارة الاقتصاد أو وزارة السياحة؟

كلا، علاقاتي اقتصرت على الهيئة العليا، ولكن باءت المحاولات بالفشل. الوحيدون الذين بادروا لدعم الدار هم مركز الزبير للمؤسسات الصغيرة حيث فزت بجائزة من المركز تلقيت على أثرها دعماً مالياً، قمت باستخدامها لترتيب المحل في ولاية الخابورة. وهم مشكورون على هذه الجائزة التي ساهمت بتحسين أوضاعي قليلا.

  • لو أتيحت لك الفرصة لافتتاح فروع أخرى للدار خارج السلطنة، هل تقومين بذلك؟ وهل لديك المقدرة التصنيعية لتلبية طلبات الأسواق الخليجية؟

طبعاً أتمنى ذلك. شاركت بالعديد من المعارض، وقمت بتصنيع الخناجر للعديد من الحكام العرب والأمراء. نحن قادرون على تلبية طلبات المنطقة. نحن قادرون على تصنيع ما معدله 15 خنجر في الاسبوع الواحد. ولكن خنجر واحد ذو مواصفات محددة قد يستغرق تصنيعه 3 شهور. كل عملية التصنيع تتعلق بالامكانيات، وهذه الامكانيات تتعلق بالناحية المادية، وهنالك مجموعة غير ملتزمة كلياً بالعمل نظراً لارتباطات عائلية. فهم من غير رواتب، يحصّلون الأموال بعد التصنيع فقط. لو المصنع موجود، لاستطعت المحافظة على استمرارية انتاجهم.

  • ما هي أبرز العوائق التي وقفت في وجه تأسيس دار الخابروة؟

الصعوبات الوحيدة تتعلق بتأسيس المحل. عملت لفترة طويلة من المنزل، وقد زارني العديد من العملاء في البيت. وكنا في أحسن حال. ايجارات المحلات عالية جداً ، ولتجهيز المحل عمدت إلى أخذ سلفة شخصية من المصرف بفوائد عالية .

  • اين ستكونين بعد خمس سنوات بالنظر للنجاح الذي حققتيه؟

أتمنى أن أحقق شهرة عالمية في هذه الحرفة التي أتقنها. أتمنى ان أفتتح محلات في دولة الامارات العربية المتحدة ودول الخليج. أتمنى فعلاً أن أشتهر مع هذه الصناعة.

  • هل يتم تسويق منتجاتك عالمياُ أو فقط على المستوى المحلي؟

نحن نشيطون جداً على وسائل التواصل الاجتماعي الآن من خلال الفايسبوك والتويتر والانستجرام والواتس آب، ولدينا قاعدة جيدة من العملاء من خارج السلطنة يتم التواصل معهم بشكل دائم.

IMG_0070 copy

  • هذه الصناعة تراثية وحرفية ولكن الاتجاه السائد الآن هو الابتعاد عن التقاليد. لأي مدى تعتقدين أن الشباب متمسكون بهذه العادات؟

الخنجر رمز، خصوصاً للعرسان. من الاجباري أن يقوم الشباب في العرس بحمل الخنجر. هذا جزء من التقليد الذي نحافظ عليه في سلطنة عُمان، وكذلك الشيوخ والولاة. نحن متمسكون بعاداتنا وتقاليدنا، حتى في دولة الامارات والمملكة العربية السعودية. لا يزال البعض حريص على التقيد بالعادات والتقاليد وتوارثها مع الأجيال الجديدة.

  • كم تتراوح أسعار الخناجر، ومما هي مصنوعة؟

تتراواح بين 200 ريال (2000 درهم اماراتي) و5 آلاف ريال عماني (50000درهم اماراتي). كل التركيز على المقبض. هو أغلى جزء في الخنجر. المبقض هو رأس الخنجر، وأغلى مقبض هو من قرن الزرافات، يليه ناب الفيل، يليه الصندل، تليه المقابض البلاستيك والعضم الصناعي وغيرها من الأنواع. يتم تفصيل الخنجر على الجلد، بعدها يتم وضعه على الخشب وبعد ذلك يتم تلبيس الفضة كمرحلة نهائية.

  • ما هي النصيحة التي توجهينها للشباب والشابات في السلطنة: ماذا يجب عليهم عمله للنجاح في مؤسساتهم الصغيرة والمتوسطة والإنطلاق نحو العالمية؟

هذه مهنة صعبة جداً، تحتاج للابداع والصبر والتصميم والعزيمة، حتى تقنياتها صعبة، ومع ذلك أنصح الشباب العماني بالتوجه نحو الأعمال الحرة وانشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة ليساهموا بالاقتصاد الوطني بشكل فاعل دون الاعتماد على الوظيفة. المهن جيدة جداً، وتؤمن المدخول الصحيح، لكن تحتاج للوقت والتفرغ، في حال توفر رأس المال. لكن أهم شيء أن يقوم الشباب بالاتجاه للمهن التي يعرفونها والتي تدربوا عليها مسبقاً، وإلا رحلتهم ستكون صعبة جداً. التعلم أساسي والممارسة تؤدي إلى الاتقان.

  • هل ستشجعين أولادك للدخول في هذه المهنة والمحافظة على هذا الارث العائلي؟

أتمنى ذلك. أبنتي شريكتي في المؤسسة. عمرها 17 سنة، لكنها تتقن المهنة وتعرف كافة أسرارها، وتعملت على يدي كما تعلمت أنا على يدي والدي. أتمنى من صاحب كل حرفة ومهنة أن يقوم بتدريب الأجيال القادمة.

لاحظت هذا الاهتمام من ابنتي منذ الصغر، فسعيت إلى تنمية هذه الرغبة فيها. هي تدرس التجارة الآن لتنضم لي في المستقبل. أما زوجي، فيساعدني في العمل أيضاً وهو يقوم بتصنيع مجسمات القوراب الخشبية التراثية . نعمل معاً ، وهو يقوم بتصنيع السفن الخشبية التي تعتبر كتذكار عُماني.

  • بسؤال أخير: هل فعلاً هذه هي المهنة التي كنت تحلمين بها؟

نعم، ولو عدت بالزمن لمارست هذه المهنة بالذات. أنا تربيت على هذه المهنة منذ صغري، هي جزء مني وجزء من تراث العائلة وتحتل قسماً في القلب، وهي علاقة حب أكثر من هي علاقة بالمال. أنا لم أفكّر يوماً بالمال، بل كان الهدف متابعة مسيرة والدي الذي عمل لفترة طويلة في تصنيع الخناجر للديوان السلطاني ودول المنطقة.

لا تعليقات حتى الآن.

كن أول شخص يترك تعليقا.

Your email address will not be published. Required fields are marked *