المؤسسات الناشئة والصغيرة: المحرك الرئيسي لريادة الإبتكار المؤسسات الناشئة والصغيرة: المحرك الرئيسي لريادة الإبتكار

الإبتكار كلمة تتداول في الآونة الأخيرة على مستويات متعددة: الإبتكار المؤسسي، إستراتيجية الإبتكار، وحتى إقتصادات الإبتكار. كما توّلدت مسميّات وظيفية جديدة تخطّت القطاع الخاص لتتبناها بعض الهيئات الحكومية كما جاء في الخطوة غير المسبوقة إقليمياً  بعد إعلان  سمو الشيخ منصور بن زايد نائب رئيس مجلس الوزراء  عن اطلاق مسمى المدير التنفيذي للابتكار بالحكومة الاتحادية لدولة الامارات العربية المتحدة في شهر فبراير من السنة الحالية.

السيدة حنان بن خلوق

السيدة حنان بن خلوق

المتغيّرات الاقتصادية التي يشهدها العصر والتي تتنبأ بتربع الصين على عرش الإقتصاد الأول عالمياً بدل الولايات المتحدة ونبوغ أسواق جدية باتت في الأمس القريب من الدول النامية، الثورة المعرفية والرقمية والتكنولوجيا قرّبت المسافات وجعلت العالم قرية صغيرة يتواصل فيه الأفراد من كافة بقاع الأرض. كل هذه المتلازمات تفرض ضرورة الإبتكار المؤسسي لضمان التنافسية والإستمرارية. جل الشركات العملاقة مثل جوجل، جي. اي.، اينتل، وآي. بي. أم. أكدّت إلتزامها بنشر ثقافة الإبتكار والإستثمار في مبادرات من شأنها تعزيز قواعد الإبتكار في كل المجالات.

وحسب تقرير من مجموعة بوستون جروب للاستشارات الصادر في أواخر 2014 أكد 77% من الرؤساء التنفيذيين أن تعزيز الإبتكار يتصدر قائمة أولوياتهم الاستراتيجية. وبرغم ذلك تقر الأغلبية من الشركات الكبرى عن عجزها عن تحقيق النتائج المتوخاة من تعزيز مبتدئ الإبتكار المؤسسي بالطريقة المنشودة حسب نفس التقرير.

تعود صعوبة ذلك لطبيعة النظام الإداري في معظم الشركات الكبرى والعملاقة والذي يّتسم بالبيروقراطية والتركيز الزائد على القواعد واللوائح والإجراءات مما يحدّ من حرية أصحاب القرارات في إدماج أفكار جديدة ومبتكرة

كما إن الإلتزام بالإبتكار يرتكز على مبدأ التجربة والخطأ مما يعني قواعد وإجراءات جديدة  كما يحتّم إنشاء بيئة تشجيعية لطرح الأفكار الجديدة من كل العاملين بالشركة، والأخذ بعين الإعتبار تلك الأفكار وتحفيز المساهمين بأفكار جيدة ببرنامج مكافأت، وما إلى ذلك. كل ذلك يعني بالأساس المخاطرة بتأثير التغيير  على الإنتاج والمردودية، وهي مخاطرة ربما تكلّف الشركات الكبرى خسارات مادّية ومعنوية.

المؤسسات الناشئة والصغيرة: القوة المحركة لإقتصاد الإبتكار:

لاشك في أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة محرّك أساسي للنمو الإقتصادي في المنطقة لمساهمتها الفعالة في خلق فرص جديدة للعمل وزيادة الناتج المحلي والتنافسية، لكن العديد من رواد الأعمال يعتقد أن موضوع الإبتكار يقتصر على  الشركات الكبرى ذات الموارد المالية والتقنية وأن التي تخوّلها لتوظيف باحثين علميين وتخصيص قسم للأبحاث والتطوير،  مما يجعلهم متخوّفين من تجربة أفكار جديدة ربما تحدث تغييراً على مستوى واسع وتساهم في نمو متسارع لمؤسساتهم.

يقول السيد ريتشارد برانسون مؤسس امبراطورية فيرجين المعروفة:”تتمتع المؤسسات الصغيرة بجرأة و”خفة” ولها القدرة على تعليم المؤسسات الكبرى مبدأ أو اثنين من مبادئ الابتكار بوسعها إحداث تغيير في صناعات بأكملها”

بالفعل تتميّز المؤسسات الناشئة بسمات إبتكارية أكثر من الشركات الكبرى نذكر منها:

سرعة إتخاذ القرارات:  مما يسرّع عملية تطوير الأفكار الجديدة إلى منتجات أو مشاريع يكون للمؤسسة السبق في إيصالها الى  الأسواق.

المرونة التلقائية : وتشير إلى القدرة على إنتاج إستجابات تتسّم بالتنوّع في الإتجاهات مع إستخدام مجموعة متعددة من الإستراتيجيات  ومراعاة الحلول غير التقليدية  النادرة.

الإستعداد للمخاطرة:  تتميّز المؤسسات الناشئة بقبول أكبر على  المخاطرة وتقبّل الفشل، ولطالما إرتبط تعريف الإبتكار بمدى قبول المخاطرة لتقديم أفكار أو منتجات  بعيدة عن المألوف  تقدّم لأول مرة للمستهلك أو المجتمع.

روح الفريق:

تتسم العلاقات الشخصية في المؤسسات الناشئة والصغيرة ببيئة تسودها روح الفريق وأسلوب تشاركي وحماسي بين الجميع.  مرونة الإجراءات والعلاقات الشخص تكون أكثر تحفيزاً لتشجيع التفكير الإبتكاري بين كل الأفراد.  إن من أكبر المشكلات في قبول أو تطبيق الإبتكار وجود إنفعالات كراهية أو عدم تعاطف حيث إن وجودها يجعل من الصعب التصدي للمشكلات الفنية بفعالية.

إن ظاهرة لجوء الشركات العملاقة إلى الإستحواذ على الشركات الناشئة المبتكرة تأكيد على إيمانها بأن الأسلوب الإبتكاري سهل التطبيق في مؤسسات صغيرة. فأصبحت معظم الشركات العملاقة تفضّل الإستثمار في شركات ناشئة كطريقة أقل مخاطرة من الإستثمار داخلياً في الإبتكار المؤسسي، ولعّل أكبر مثال على ذلك شركة جوجل التي إستحوذت على 180 شركة حتى تاريخ أبريل 2015 معظمها شركات ناشئة أحدثت ثورات رقمية وتكنولوجية.

يبدو أن الشركات الكبرى الإقليمية بدأت تتّخذ نفس المجرى في السنوات الأخيرة، حيث تشهد بعض الحاضنات التقنية إقبالا من المستثمرين من مؤسسات وأفراد، الباحثين عن فرص إستثمارية في مشاريع  ناشئة أو أفراد مبتكرين بأفكار متجددة.

لعل مثل هذه المبادرات ستعمل على تنمية الحس الإبتكاري في منطقتنا لخلق أجيال جديدة من رياديي الأعمال المبتكرين والطامحين لإحداث ثورات فكرية ومعلوماتية من شأنها المساهمة في تسريع تحقيق الأهداف الإستراتيجبة لدول المنطقة الهادفة لإنشاء إقتصاد معرفي.

هل يمكننا تعليم المهارات  الابتكارية؟

يتفق المتخصصون أن لكل الأفراد القدرة الأساسية على التفكير بأسلوب  إبتكاري ويمكن  تعليمه وتنميته والوصول لإتقانه من خلال التدريب على عادات العقل المنتج، التي تدمج الخبرات السابقة والمعلومات الحالية في تصورات تتحدى خبراتنا المعتادة. ويتحدث التربويون والأكاديميون عن ضرورة تنمية مهارات خاصة لمواجهة تحديات القرن 21  منذ الصغر، مهارات البحث والإتصال  الفعّال  والتفكير الناقد والتحليلي والحس التعاوني  والإحساس بالمسؤولية المجتمعية، وكذا تطوير مهارات حل المشكلات وأخذ المبادرة، وذلك  بإدماج أساليب تعليم متطوّرة بعيداًعن أسلوب التلقين التقليدي  بالتركيز على التعلّم بالتجربة والتطبيق. وفي ظل هذه الجهود المتكاثفة للرقي بمستوى التعليم وتنمية المهارات الريادية والإبتكارية، نشأت برامج وخبرات متجددة للمساهمة في ذلك من القطاع العام والخاص.

لعبة للكبار لتحفيز ريادة الإبتكار:

شهدت “ذا كريب”، وهي منطقة عمل مشتركة وحاضنة أعمال لعدد من الشركات المبتكرة  بمنطقة القوز بدبي، إطلاق دورة تدريبية سابقة في المنطقة، حيث خضع 22 من رواد الأعمال والطامحين لبدء مشروعاتهم  في  مختلف ‘مارات الدولة لتجربة فريدة من نوعها، حيث يعتمد أسلوب ورشة العمل التي أقيمت يومي 16 و17 مايو السابق، على طريقة محاكاة الأعمال business simulation يلعبون فيها أدوار أصحاب المشاريع ويجرّبون مراحل تطوير المشروع بأكملها من تصوّر الفكرة إلى تحديد السوق، تطوير نموذج العمل إلى تقديم لأصحاب رؤوس الأموال المخاطرة، حيث يمارسون الأدوار التي سيحتاجونها لمواجهة التحديات الحقيقية التي يمكن أن تصادفهم عند إطلاق مشروعاتهم. في بيئة يسودها المرح وأجواء من التنافسية على مستوى الأفراد والفرق، تعلّم فيها الجميع مبادئ التفكير الإبتكاري وكيفية التغلب على الخوف من الفشل والتفكير التقليدي وعدم إفساح المجال للخيال والتصور الإبداعي.

المؤسسات الناشئة والصغيرة: المحرك الرئيسي لريادة الإبتكار

المؤسسات الناشئة والصغيرة: المحرك الرئيسي لريادة الإبتكار

لعبة الإبتكار في أربعة أدوار تبدأ من تكوين فريق العمل، إلى المنافسة بين الأفراد في إيجاد حلول لتحديات عملية مستوحاة من مواقف حقيقية في مجال المال والأعمال. يمرّ الفريق الى دور تجهيز عرض مختصر عن فكرتهم لتقديمها لأعضاء المستثمرين، وبعد كسب رؤوس الأموال المزعومة والمتمثّلة في أوراق نقدية صممت خصيصاً للعبة، يأتي الدور الثالث الذي تعرض فيه على مختلف الفرق بعض المشاكل المالية والمجتمعية والتسويقية، والتي يتنافس الجميع لإيجاد حلول مستدامة ومبتكرة للمشكلات المستوحاة من قصص واقعية.

وفي المرحلة الأخيرة، يطلب من المشاركين العمل على نموذج عمل تفصيلي لفكرة مشروعهم الإفتراضي وعرضه على المسثمرين المزعومين حيث النتائج أمّا بتحقيق البيع أو إستراتيجية الخروج، لتنتهي اللعبة بفوز اللاعب كفرد  الذي أبان عن حس ريادي عال بالإضافة لروح الفريق والمسؤولية المجتمعية، بينما يفوز الفريق الذي  إستطاع تقديم مؤسسة ناشئة ذات  أكبر قيمة مالية والفكرة الأكثر إبتكاراً.

صاحبة مشروع البيع بالتجزئة عبر الانترنت قالت عن اللعبة:”لعبة الريادة الإبتكارية تجربة رائعة، هذا المزيج بين تقديم مبادئ التفكير الابتكاري والتطبيق التجريبي بأسلوب المحاكاة أتاح لي الفرصة لأرى بعض الأخطاء التي كنت أرتكبها في نموذج عملي والتي تعوق تطور فكرتي إلى مشروع مربح، جو المنافسة والتعاون وخلق فضاء لتعلّم تجريبي رائع. إنها أفضل دورة خضتها لتعلم مبادئ الريادة

بدورها قالت مصممة جرافيك ناجحة تطمح لإطلاق شركتها الخاصة:”قضيت يومين رائعين في تجربة تعليمية مختلفة تماماً، أفصحت لي عن التعقيدات التي يعرفها عالم الريادة بطريقة بعيدة عن التلقين النظري، في جو ممتع ومرح تسوده المشاركة والتفاعل. إنني أعلم الآن ما هي التحديات التي يمكن أن تواجهني، وأحس أنني لست مستعدة تماماً كما كنت أظن لبدء مشروعي، ويجب أن أخطط أكثر قبل إتخاذ القرار والمخاطرة بإستثمار في فكرة ربما باءت بالفشل لو نفذتها قبل أن أخوض هذه التجربة”

مدير ادارة : ثورة الأزياء ، قالت :”خلقت اللعبة عالماً مصغراً لعالم الأعمال في بيئة ودية وتنافسية في نفس الوقت. وتم تشكيل الفرق بين المشاركين لحل مشاكل معقدة في ملابسات غامضة. أسلوب رائع للتعلّم لمن يريدون إطلاق مشروعاتهم للمرة الأولى وأيضا لأصحاب المشاريع المخضرمين للتعرف عن قرب على  الخطوات اللازمة لبدء المشروع وتطوير نموذج العمل بكل تفاصيله إلى العرض على المسثمرين لجلب رؤوس الأموال”

لا تعليقات حتى الآن.

كن أول شخص يترك تعليقا.

Your email address will not be published. Required fields are marked *