العين على الابتكار في العالم العربي العين على الابتكار في العالم العربي

أثار‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2009‭ ‬حفيظة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬اذ‭ ‬اظهر‭ ‬التقرير‭ ‬أنّ‭ ‬ثلث‭ ‬العرب‭ ‬أميون‭ ‬ولا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأنفاق‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬للشخص‭ ‬الواحد‭ ‬10‭ ‬دولارات‭ ‬أميركية،‭ ‬وخلص‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬أنّ‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬مروّع‭. ‬التقرير‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬شراكة‭ ‬بين‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬ودولة‭ ‬الامارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬ومؤسسة‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬آل‭ ‬مكتوم،‭ ‬وأظهر‭ ‬أن‭ ‬مشاركة‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المنشورات‭ ‬العلمية‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬1‭.‬1‭ % ‬من‭ ‬المشاركات‭.  ‬فماذا‭ ‬تغير‭ ‬بين‭ ‬العام‭ ‬2009‭ ‬واليوم؟‭ ‬وهل‭ ‬ساهمت‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬واثبات‭ ‬الوجود‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬الابتكار‭ ‬عالمياً؟‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬نسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬والمعوقات‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التخلف‭ ‬عن‭ ‬ركب‭ ‬الدول‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬توفره‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬مادية‭ ‬وبشرية‭ ‬لدعم‭ ‬نشاط‭ ‬البحث‭ ‬والابتكار‭ ‬محدود‭ ‬جداً‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬موازنته‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تحقيقها‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬والتي‭ ‬يتمثل‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬قلة‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬والامتيازات‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬التقصير‭ ‬افتقار‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬وأساليب‭ ‬التربية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬روح‭ ‬التنافس‭ ‬ين‭ ‬الأفراد،‭ ‬تنمية‭ ‬الخبرات‭ ‬والطاقات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬احتضان‭ ‬المواهب‭ ‬ورعايتها‭ ‬والتحفيز‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭. ‬

ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬برامج‭ ‬التدريب‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬مؤسسات‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مستوردة،‭ ‬غالباً‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬التطور‭ ‬التقني‭ ‬السريع‭ ‬وما‭ ‬يتطلبّه‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الابتكار‭ ‬والإبداع،‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬الأموال‭ ‬الكافية‭ ‬للبحوث‭ ‬وندرة‭ ‬الأجهزة‭ ‬والأدوات‭ ‬التقنية‭ ‬والمختبرات‭ ‬والمراجع‭ ‬اللازمة‭. ‬

هذا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هجرة‭ ‬الأدمغة‭ ‬العربية‭ ‬واليد‭ ‬العاملة‭ ‬التقنية‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأدمغة‭ ‬تلقى‭ ‬التشجيع‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬وتتوافر‭ ‬لها‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬لتطوير‭ ‬معارفها‭ ‬وتحقيق‭ ‬طموحاتها‭ ‬العلمية‭. ‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬المتقدم‭ ‬يشهد‭ ‬مؤخراً‭ ‬انخفاضاً‭ ‬في‭ ‬نمو‭ ‬الدعم‭ ‬العام‭ ‬لأنشطة‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬وتردد‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬عليهما،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬نمو‭ ‬مجمل‭ ‬النفقات‭ ‬المخصصة‭ ‬للبحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم،‭ ‬وذلك‭ ‬يُلاحظ‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المرتفعة‭ ‬الدخل‭. ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬حكومات‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬ادراج‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬النمو‭ ‬المستقبلية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالابتكار‭ ‬في‭ ‬حزمات‭ ‬تحفيزية،‭ ‬فإن‭ ‬الدعم‭ ‬المخصص‭ ‬لتلك‭ ‬الجهود‭ ‬فقد‭ ‬من‭ ‬زخمه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬البلدان‭ ‬حققت‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬2014‭ ‬و2015‭ ‬نمواً‭ ‬ايجابياً‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬خصوصاً‭ ‬دول‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الصين،‭ ‬كوريا‭ ‬والهند‭. ‬هذا‭ ‬ويعتبر‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭ ‬هو‭ ‬نقطة‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المرتفع‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المنخفض،‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المواطن،‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بتعليم‭ ‬أفضل،‭ ‬أكثر‭ ‬نجاحاً‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المرتفع‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬المواتية‭ ‬لتطوير‭ ‬الابتكار‭. ‬إن‭ ‬المواطنين‭ ‬الذين‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمستوى‭ ‬تعليمي‭ ‬جيد‭ ‬يحرزون‭ ‬نجاحات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المرتفعة‭ ‬الدخل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬السياقات‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الابتكار‭. ‬ومع‭ ‬تقدم‭ ‬البلدان‭ ‬نحو‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬الابتكار‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬المواهب‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العلوم‭ ‬والهندسة‭ ‬والأعمال‭ ‬والإدارة‭.‬

shutterstock_375131794 copy

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يتطور‭ ‬فيه‭ ‬البلد‭ ‬نحو‭ ‬مستوى‭ ‬أفضل‭ ‬وأكثر‭ ‬نضوجاً‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬والابتكار،‭ ‬تصبح‭ ‬المواهب‭ ‬فيه‭ (‬العلوم‭ ‬والهندسة،‭ ‬الأعمال‭ ‬التجارية‭ ‬والإدارة‭) ‬أكثر‭ ‬أهمية‭. ‬

الابتكار‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬

في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬الـ‭ ‬40‭ ‬الماضية،‭ ‬تمّ‭ ‬إنفاق‭ ‬20‭ ‬٪‭ ‬من‭ ‬الميزانيات‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬التعليم،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يزيد‭ ‬عدد‭ ‬البالغين‭ ‬غير‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬القراءة‭ ‬عن‭ ‬ثلث‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬ويبلغ‭ ‬عدد‭ ‬الاميين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬حوالي‭ ‬60‭ ‬مليوناً‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬370‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ ‬عربي،‭ ‬ثلثهم‭ ‬من‭ ‬النساء‭. ‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭ ‬قد‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬علم‭ ‬يتلقاه‭ ‬الطالب‭ ‬أيا‭ ‬كانت‭ ‬مرحلته‭ ‬الدراسية،‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬تعتبر‭ ‬هي‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭. ‬ويحتاج‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬إلى‭ ‬جهود‭ ‬كبيرة‭ ‬تمكن‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬القدرات‭ ‬والانتاجية‭.‬

ويعتبر‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬معايير‭ ‬تقدم‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭ ‬وبمقدار‭ ‬عدد‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬المؤهل‭ ‬الجامعي‭ ‬يرتقي‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتكمن‭ ‬أهميته‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬تأهيله‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬معرفيا‭ ‬وعلميا،‭ ‬حتى‭ ‬يكونوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬ولذلك‭ ‬تغدق‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬وتزيد‭ ‬سنويا‭ ‬نسبة‭ ‬تمويل‭ ‬البحوث‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬المؤسسات‭ ‬العلمية‭ ‬كالجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحوث‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬المجتمع‭ ‬وتنميته‭. ‬

إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬العربية‭ ‬نجدها‭ ‬تواجه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤهلها‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬قوة‭ ‬ودفع،‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬الميزانيات‭ ‬أو‭ ‬الاهتمام‭ ‬الرسمي،‭ ‬ولذلك‭ ‬نرى‭ ‬جامعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬خارج‭ ‬التصنيف‭ ‬العالمي‭ ‬لأفضل‭ ‬الجامعات‭. ‬وتتلخص‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬البيئة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬العلمية‭ ‬الجيدة،‭ ‬وهي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬إشكاليات‭ ‬تدبيرية‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬الموارد،‭ ‬ويستوجب‭ ‬عليها‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬مهام‭ ‬جديدة‭ ‬تتعلق‭ ‬أساساً‭ ‬بالتعاقد‭ ‬على‭ ‬الأبحاث،‭ ‬تطوير‭ ‬بنى‭ ‬الابتكار‭ ‬والتشجيع‭ ‬على‭ ‬الاختراع،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬الاستشارات‭ ‬والخبرات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬استدعاء‭ ‬العقول‭ ‬العربية‭ ‬المهاجرة‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬خدماتها‭. ‬

هذا‭ ‬كله‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إلقاء‭ ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬الميزانيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالجامعات‭ ‬الخاصة‭ ‬والرسمية،‭ ‬وزارات‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والمجالس‭ ‬الوطنية‭ ‬للبحوث‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬ترتقِ‭ ‬بعد‭ ‬لمستوى‭ ‬الحاجات‭ ‬التي‭ ‬يتطلّبها‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬

ويعاني‭ ‬قطاع‭ ‬الابتكار‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬جمة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬لعل‭ ‬أبرزها‭ ‬وجود‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬البحوث‭ ‬التي‭ ‬تجرى‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والمراكز‭ ‬البحثية،‭ ‬وبين‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الابحاث‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المتخصصة‭.‬

هذا‭ ‬يدفع‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬استيراد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والحلول‭ ‬الجاهزة‭ ‬من‭ ‬الغرب،‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬ربط‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬مراكز‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬والحاجات‭ ‬الصناعية‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجية‭.‬
إن‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬والخصوصيات‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬نجاح‭ ‬استيراد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬غير‭ ‬مضمون‭ ‬النتائج‭ ‬نظراً‭ ‬لعدم‭ ‬الالمام‭ ‬بالمتغيّرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للبلدان‭ ‬المستهدفة‭. ‬

وذكرت‭ ‬أبحاث‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬أن‭ ‬الجامعات‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬أبحاثاً‭ ‬علمية‭ ‬جديّة‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عددها‭ ‬أصابع‭ ‬اليدين،‭ ‬وإن‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬الأساتذة‭ ‬هم‭ ‬باحثون،‭ ‬يخصّصون‭ ‬بين‭ ‬1‭ ‬و2‭% ‬من‭ ‬وقتهم‭ ‬لذلك‭ ‬نظراً‭ ‬لغياب‭ ‬الدعم‭ ‬المادي‭ ‬والتقني‭ ‬لذلك‭. ‬

لذا‭ ‬يرى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬العربي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬انتفاضة‭ ‬ذهنية‭ ‬ترسم‭ ‬خريطة‭ ‬طريق‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتنقله‭ ‬من‭ ‬التلقين‭ ‬إلى‭ ‬الابتكار،‭ ‬إذ‭ ‬يلاحظ‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الدول‭ ‬المتطورة‭ ‬لتمويل‭ ‬البحوث‭ ‬العلمية‭ ‬تكفي‭ ‬لمعرفة‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬بين‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬والعالم‭ ‬الغربي‭. ‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭ ‬ماذا‭ ‬قدمت‭ ‬حكوماتنا‭ ‬لتطوير‭ ‬البحث‭ ‬العلمي؟‭ ‬وهل‭ ‬نحن‭ ‬مستعدون‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الابتكار‭ ‬وثورة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتدفق‭ ‬المعلومات؟‭ ‬

تخصص‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬فقط‭ ‬0‭.‬4‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬للبحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬وبذلك‭ ‬تساهم‭ ‬بنسبة‭ ‬ضئيلة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬0‭.‬5‭% ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاجمالي‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬بما‭ ‬مجموعه‭ ‬7‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬حسب‭ ‬تقرير‭ ‬منظمة‭ ‬اليونيسكو‭ ‬عن‭ ‬العلوم‭ ‬للعام‭ ‬2014‭. ‬

ويلاحظ‭ ‬وجود‭ ‬هدر‭ ‬مالي‭ ‬لمخصصات‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬تُصرف‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬رواتب‭ ‬للأساتذة‭ ‬الباحثين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ربطها‭ ‬بالإنتاج‭ ‬العلمي‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تمثل‭ ‬قلة‭ ‬الباحثين‭ ‬أحد‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬في‭ ‬التركيبة‭ ‬المعرفية‭ ‬العربية،‭ ‬فعددهم‭ ‬محدود‭ ‬في‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬باحث،‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬400‭ ‬باحث‭ ‬لكل‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭. ‬وينفق‭ ‬على‭ ‬الباحث‭ ‬العربي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬40000‭ ‬دولار‭ ‬مقابل‭ ‬200000‭ ‬دولار‭ ‬للباحثين‭ ‬بالدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬و120000‭ ‬دولار‭ ‬بالدول‭ ‬النامية‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬نسجل‭ ‬قلة‭ ‬في‭ ‬المنشورات‭ ‬العلمية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬عند‭ ‬سقف‭ ‬14235‭ ‬منشوراً‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014،‭ ‬بما‭ ‬يمثل‭ ‬1.56%‭ ‬من‭ ‬المجموع‭ ‬العالمي‭ ‬للمنشورات‭ ‬العلمية،‭ ‬وكذلك‭ ‬ندرة‭ ‬في‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع،‭ ‬فلم‭ ‬يسجل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬سوى321‭ ‬براءة‭ ‬اختراع‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬210977‭ ‬براءة‭ ‬اختراع‭ ‬مسجلة‭ ‬لدى‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للملكية‭ ‬الفكرية‭.‬

الابتكار‭ ‬الاقتصادي

الابتكار‭ (‬innovation‭) ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأعمال‭ ‬عملية‭ ‬مبدعة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة‭ ‬ووضعها‭ ‬موضع‭ ‬التطبيق‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬فالابتكار‭ ‬يعني‭ ‬استخدام‭ ‬أو‭ ‬استحداث‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬أسلوب‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬استحداث‭ ‬نظرية‭ ‬أو‭ ‬اختراع‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬سلعة‭ ‬جديدة‭. ‬ويحدث‭ ‬الابتكار‭ ‬عندما‭ ‬يحاول‭ ‬الفرد‭ ‬البحث‭ ‬والإجابة‭ ‬عن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬بحثها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬مما‭ ‬ينتج‭ ‬منه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المحاكاة‭ ‬والتفكير‭ ‬المتميزين‭. ‬

وتتعدد‭ ‬أوجه‭ ‬الابتكار‭ ‬وتختلف‭ ‬أشكاله،‭ ‬وهو‭ ‬يتضمن‭ ‬عادة‭ ‬أحد‭ ‬الأمور‭ ‬التالية‭:‬

‭- ‬ابتكار‭ ‬منتجات‭ ‬أو‭ ‬مواد‭ ‬جديدة‭ ‬وتصريفها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬حمايتها‭ ‬بالعلامات‭ ‬المميزة‭ ‬وبراءات‭ ‬الاختراع‭ ‬أو‭ ‬بمنح‭ ‬الامتيازات‭. ‬وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات‭ ‬نتيجة‭ ‬لاستجابة‭ ‬لتغيرات‭ ‬طبيعة‭ ‬الطلب‭ ‬ونوعيته‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وتغير‭ ‬سلوكيات‭ ‬المستهلك‭. ‬كما‭ ‬تؤدي‭ ‬المنافسة‭ ‬إلى‭ ‬ابتكار‭ ‬مواد‭ ‬ومنتجات‭ ‬جديدة‭.‬

‭- ‬ابتكار‭ ‬التقنيات‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الأجهزة‭ ‬والآلات‭ ‬والأدوات‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬ابتكار‭ ‬في‭ ‬طرائق‭ ‬النقل‭ ‬والتوزيع‭ ‬والتجميع‭ ‬والتصنيع‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ونتطور‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬لآخر‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬السرعة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭. ‬

‭- ‬الابتكار‭ ‬التنظيمي‭ ‬وهو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬والإدارية‭ ‬والإجرائية‭ ‬والعمل‭ ‬بها‭ ‬بحيث‭ ‬تستطيع‭ ‬هذه‭ ‬الهياكل‭ ‬الاستجابة‭ ‬لتغيرات‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الابتكارات‭ ‬التقنية‭ ‬منها

‭- ‬ابتكار‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬والسلوك‭ ‬الإداري‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة،‭ ‬وطرائق‭ ‬تدريب‭ ‬حديثة‭ ‬وابتكار‭ ‬الحلول‭ ‬الفريدة‭ ‬لبعض‭ ‬المشكلات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمادية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬المؤسسة‭ ‬وتطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭.‬

نموذج‭ ‬دولة‭ ‬الامارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬

في‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬احتلت‭ ‬الإمارات،‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أداءها‭ ‬الشامل‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬الابتكار‭ ‬العالمي،‭ ‬الذي‭ ‬نشرته‭ ‬جامعة‭ ‬كورنيل‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ “‬إنسياد‭” (‬INSEAD‭)‬،‭ ‬والمنظمة‭ ‬العالمية‭ ‬لحقوق‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ (‬WIPO‭) ‬التابعة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬143‭ ‬دولة‭ ‬مشاركة،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬استعراض‭ ‬143‭ ‬اقتصاد‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭ ‬باستخدام‭ ‬81‭ ‬مؤشراً‭ ‬لقياس‭ ‬قدراتها‭ ‬الابتكارية‭. ‬

ولم‭ ‬تقف‭ ‬دول‭ ‬الإمارات‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة،‭ ‬بل‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأسيسها‭ ‬وكالة‭ ‬الإمارات‭ ‬للفضاء‭ ‬وأول‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬إسلامي‭ ‬لإرسال‭ ‬مسبار‭ ‬لكوكب‭ ‬المريخ‭ ‬بالإضافة‭ ‬لمشاريع‭ ‬ضخمة‭ ‬تستثمر‭ ‬الحكومة‭ ‬الإماراتية‭ ‬فيها‭ ‬لتحويل‭ ‬التعليم‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬ذكي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار،‭ ‬وامتلاك‭ ‬الإمارات‭ ‬مجمعات‭ ‬للإبداع‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الإنترنت‭ ‬والإعلام‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والصناعات،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإماراتي‭ ‬بات‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار،‭ ‬والبنية‭ ‬التقنية‭ ‬التحتية‭ ‬فيها‭ ‬هي‭ ‬بين‭ ‬الأفضل‭ ‬عالمياً‭. ‬

واستطاعت‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬خلق‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬للابتكار‭ ‬والإبداع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جذب‭ ‬العقول‭ ‬والمواهب،‭ ‬إذ‭ ‬بينت‭ ‬دراسات‭ ‬محلية‭ ‬ودولية‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الإمارات‭ ‬تحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هجرة‭ ‬المواهب‭ ‬والعقول‭ ‬إليها‭.‬

لا تعليقات حتى الآن.

كن أول شخص يترك تعليقا.

Your email address will not be published. Required fields are marked *